الشيخ داود الأنطاكي

117

النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة

بدل كيس الأنثيين ، والإحليل عنقه فكأنه آلة مقلوبة للقبول ، وركب فيه قوة شوقية تجتذب المني ؛ ولذلك قالوا : انه قد يحس قرب الانزال بشيء يمص الإحليل ، فإذا صار المني فيه انضم بحيث لا يدخل فيه شيء ، وجف عنقه واشتمل على الماء ، فيتخلق من المماس بسطحه غشاء تنفذ منه الشرايين ، وهو المشيمة ، وداخله آخر من السرة إلى المثانة للفضلة ، ودونه آخر للرطوبات . ثم يلتصق الخالص من الماء بالنقر السابق ذكرها فتنعقد مجتمعة . قال أبقراط : إن امرأة رقصت فسقط منها مثل البيضة وكان لها اسبوعاً منذ علقت فرآها على ما ذكر . الثاني : في تحقيق أول عضو يتكون : اختلف أهل الصناعة في ذلك . فقال المعلم : أول عضو يتكون القلب ؛ لأنه مبدأ الحياة ومعدن الغريزية وموضعه الوسط فهو مركز هذه الدائرة ، ونظير الشمس في الفلك ، وفيه توليد الأرواح التي لا يكون بدونها البدن حياً ؛ ولأنها ألطف ، واللطيف يسبق الكثيف في التوليد . فلو لم يكن القلب أولًا لبقيت الأرواح لا في محل ، وهو محال . وذهب ابقراط : إلى أن أول ما يتكون الدماغ ؛ لأنه مبدأ الأعصاب وموضع القوى النفسية ؛ ولأنه شاهد الدماغ في البيضة أول متكون . وهذا مردود ؛ لأن الأعصاب لا ضرورة إلى سبق أصلها ؛ لعدم الحاجة إلى الحس والحركة حينئذ ؛ ولأن القوى النفسية يستحيل وجودها قبل الحيوانية التي لا يولدها سوى القلب . وسبقه في الفرخ على تقدير صحته ، غير لازم في الانسان ؛ لاختلافهما . على أنه يجوز أن يكون القلب هو السابق أيضاً ولم يظهر لصغره وكثرة دم البيضة . وقال الرازي : أول متكون الكبد ؛ لأنه يولد الدم ، والحاجة داعية إليه في التغذية . وهذا لا ينبغي أن يذكر عن مثل هذا لسخافته ؛ وذلك لأن الغذاء حينئذٍ غير محتاج إليه للاكتفاء بالحرارة في اصلاح المني ثم الدم . وقد تكلّف الملطي الرَّدّ هنا بقوله : يمكن أن تكون الغاذية في القلب أو مصاحبة للمني من الأب .